
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
ذلك إسم إشارة للبعيد، والقرآن الكريم بألفاظه ومعانيه قريب من العقول والقلوب، ولقد كان معنى القرآن موجوداً في صدر رسول الله، وهذا يعني أن القرآن قريب منه، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا عبّر القرآن بالبعيد عن القريب؟
يعود السبب في ذلك إلى بيان سمو القرآن وعلو مكانته، وقد اعتاد العرب في لسانهم عن بيان العظة باستعمال البعيد من أجل بيان القرب، أي أنهم كانوا يستعملون الإتجاه المعاكس ليلفتوا الأنظار إلى عظمة الأمر المراد، فلو قال الله تعالى(هذا الكتاب لا ريب فيه) لما وصل المعنى إلى الأذهان تاماً ولما عبّرت الكلمات عن العظمة.
هناك أمور لا يمكن أن تعبر عنها بالشكل الطبيعي الذي قد لا يفي بالغرض في بعض الأحيان كما هو الحال في عاداتنا لدى تعبيرنا عما نحب فإننا نستعمل السلب لإثبات الإيجاب فالأم التي يقتلها الشغف بولدها لا تستطيع أن تعبّر له عن حبها بالتعابير العادية فتدعو عليه بالموت من كثرة حبها له، وهي في الواقع تريد لها أفضل حياة وأطولها، وفي العديد من المواضع القرآنية استعمل هذا الأسلوب في الكشف عن عظمة الأمور.
أما التعبير عن القرآن بالكتاب وهو لم يُكتب بعد فلعل المراد به أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، أو أنه يصح استعمال هذا اللفظ فيما سوف يُكتب، وقد كثر مثل هذا الإستعمال في آيات القرآن.
وهذا الكتاب الذي سوف يستمر نزول آياته هو كتاب لا شك في صدقه وأنه من عند الله تعالى، وكذلك لا يوجد فيه شيء من التناقض والتضاد فهو محفوظ من كل نقص وعيب لأنه المعجزة الخالدة.
وأما الهداية فمنها ما هو تكويني ومنها ما هو تشريعي، أما الهداية التكوينية فهي قيادة الله تعالى للموجودات، وأما التشريعية فهي التي تتم عبر الأنبياء وإنزال الكتب السماوية وبيان الأدلة القاطعة.
والقرآن الكريم نزل للناس كافة، وإذا كان قد نزل للجميع فلماذا خصصت الآية المتقين دون غيرهم حيث قال تعالى(هدى للمتقين) ولم يقل هدى للناس؟ لعل السبب في ذلك هو أن هذا القرآن لا يؤمن به ويعمل بمضمونه إلا من اتقى الله، ففي الحقيقة أنه نزل لكافة الناس، ولكن الآية والله أعلم تخبرنا بالنتيجة وهي أنه لن يؤمن به إلا أهل التقوى، وإلا فلقد بين الله تعالى في العديد من الآيات أنه أنزل القرآن لجميع الناس كتلك التي توجه الخطاب إلى الجميع.
الشيخ علي فقيه



